ثورة 17 فبراير

االسلام عليكم ورحمة الله وباركته اخي الزائر اختي الزائرة بعد التسجيل يرجا الانتضار موافقة الادارة واي اسم غير لائق لاتتم الموافقه عليه واتمنا لكم الانسجام معانا فالممنتدى ولاي استفسار يمكن التواصل عن طريق الايميل alnaas2015@yahoo.com

انضم إلى المنتدى ، فالأمر سريع وسهل

ثورة 17 فبراير

االسلام عليكم ورحمة الله وباركته اخي الزائر اختي الزائرة بعد التسجيل يرجا الانتضار موافقة الادارة واي اسم غير لائق لاتتم الموافقه عليه واتمنا لكم الانسجام معانا فالممنتدى ولاي استفسار يمكن التواصل عن طريق الايميل alnaas2015@yahoo.com

ثورة 17 فبراير

هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.
ثورة 17 فبراير

ملتقى جميع ابناء ليبيا لتبادل الخبرآت والمواضيع المفيدة والضحك والفرشهـ


    جريحة الحــب ,, القصة الكاملة

    ولد_ليبيا
    ولد_ليبيا
    آلادآرة
    آلادآرة

    عدد المساهمات : 168
    تاريخ التسجيل : 05/11/2010
    العمر : 29

    جريحة الحــب ,, القصة الكاملة Empty جريحة الحــب ,, القصة الكاملة

    مُساهمة من طرف ولد_ليبيا في الأربعاء ديسمبر 01, 2010 6:38 pm

    حلم الطفولة وجراحها

    عاد بي التفكير الى الماضي، وتوالت الأيام صوراً في مخيلتي، وأخذت أستعيد الذكرايات دون أن أحياها، كأنني أشاهد شريطاً سينمائياً، تدور حوادثه أمام عيوني، ولا يؤثر شيئاً في نفسي...
    كانت طفولتي من ذلك النوع الذي يتعذر على الإنسان أن ينساه... لم تكن طفولة عادية غافلة بلهاء، تمر أيامها على رأس الصغير فلا تترك فيه أثراً كما يمر بجوارك بعض من الناس، فلا تشعر أنهم مروا. بل هي على النقيض من ذلك واضحة الليالي والأحداث.
    كأن الزمن كان ينبهني أثناء مسيره الى بعض ساعاته، بحركة غير عادية يأتي بها.
    أجل، كانت طفولة من نوع يتعذر على المرء أن ينساه.. إنني لأذكرها الآن وأنا في ريق شبابي وريعان صباي، فتلفحني الحسرة على فتاة هي صورة مني، لكنها صغرت عذة مرات، فأكاد أحتضنها وأنا أرثي لها. ثم أقول وكأنني أتحدث عن نفسي: مسكينة تلك الصغيرة !
    منذ أن أبصرت هذه الفتاة أول ضوء في حياتها، ومنذ أن استطاعت أن تنطق كلماتها الاولى وهي ترى أخاها الأكبر يحمل حقيبته على ظهره ويذهب كل صباح الى المدرسة، بعد أن تعد له أمه شطيرة من الخبز وتطبع على خديه قبلة حنونة، وعند عودته من الدوام تستقبله وتساعده على خلع حقيبته وقميصه..
    ويستمر الحال على هذا المنوال سنيبن طويلة وهذه الصورة مطبوعة في مخيلتها ماثلة أبداً أمامها، والأحلام أخذت يوماً بعد يوم تنطبع في هذا الخيال. بأن يأتي يوماً تعود به الى البيت والحقيبة محمولة على الظهر تعج بالكتب والدفاتر والوظائف البيتية...

    بلغت الطفلة تيام الخامسة من عمرها بعد طفولة رقيقة وبريئة. لقد كانت تيام مثال في الجمال، عيناها خضراوان تشعان أملاً.. ابتسامتها جذابة وحركتها خفيفة، بشرتها بيضاء، وشعرها أبى إلا وأن يمتص أشعة الشمس الذهبية ليسرقها فيمتزج ويلمع بألوانها. أما خجلها الشديد فكان ما يميزها عن باقي الأطفال من جيلها.
    وجاء اليوم الموعود... يوم حملت تيام دفاتراً وأقلاماً وسارت نحو المدرسة.. يومها إغتنت مشاعرها بنشوة عارمة إهتز لها بدنها.. وشعرت حينها بأنها تعدت حواجزاً زمنية لا حصر لها.
    وتتابعت الأيام وتراكمت الوظائف تدريجياً وتسرب الملل الى القلب...
    منذ اليوم الأول في المدرسة وتيام تحاول أن تملك أصدقاء لها.. وهذا هو العائق الأول الذي واجهته تيام منذ نعومة أظفارها، إذ أنها لم تفلح بذلك. ومرت أيامها الاولى وهي تشعر بالعزلة والانفراد، وبقيت وحيدة ولم تأبى بهذا بل اهتمت كثيراً بتعليمها ودراستها الابتدائية، ورغم تفوقها في المدرسة أصبح يراودها شعور بالكراهية إزاء كل شئ من حولها.
    مرت أيام طفولة تيام بسرعة فائقة وكلمح البصر فكبرت تيام وبلغت الخامسة عشر من العمر. وأخذت ملامح الشباب تظهر في ملامحها.
    كانت آية من آيات الأدب والأخلاق، تحترم وتوقر الجميع من حولها، طيبة القلب، والأهم من ذلك أنها حافظت على حبها للوحدة، والعزلة أكثر عن ذي قبل، وتغيرت فلسفة أفكارها في الحياة. ونمى جسدها.. كيف لا..! وقد دخلت جيل المراهقة، فأصبحت مرهفة الإحساس والمشاعر، تميل للرومانسية والوقوف على نافذة غرفتها لساعات تحت سنان القمر وحيدة وتتوه في الأفكار. وما أن تخطر على بالها أي فكرة تجلس مع رفيقها اليراع وتدونها فتنظم منها شعراً أو خاطرة.
    كثيراً ما كانت تتمنى لو أنها استنشقت هواء الحياة وحيدة، تسكن لوحدها، حتى وصلت بها الأفكار فيما لو خلقها الله يتيمة الأب والأم. ليس هذا بسبب كرهها، فهي تكن لهم حباً كبيراً في داخلها. لكن الحقيقة المرة التي كانت تعذبها أنها لم تتلقى الحب والحنان المرتقب من والديها الذي تحتاجه كل فتاة في جيلها هذا. فلا تذكر لحظة حنان جمعتها مع والدها، أو أن سمعت كلمة رقيقة في أشد ضيقها.
    أما والدتها فكانت تشعر ببعض حنانها، إلا أنها كثيراً ما رأت منها عظمة قساوتها وظلمها، وأكثر الكلام الذي تلقته منها كان الدعوات عليها بالموت، كيف لأم تستطيع أن تدعي على ابنتها الوحيدة بالموت وأكثر من مرة في اليوم. فلا بد أن يتحطم شعور المحبة في أجواف هذه الفتاة تجاه أمها. وأمست حياتها في هذا البيت مملة كارهة لكل شئ. تنصت لكلام الجميع ولا تأبه لأحد منهم، فقد إعتادت على القساوة من قبل والديها، فلا تبالي بشيء، كان جيداً أو سيئاً فالصمت كان ردها لكل ما يدور من حولها. فحلت حياتها مأساة، وشعورها بكره الذات عظم فيها، تقضي معظم وقتها وإن لم يكن كله في غرفتها تكابد الوحدة باستماع الأغاني القديمة والحزينة، وفي كل يوم وقبل نومها تتمنى الموت لنفسها. ورغم كل مشاعرها البائسة وقنوطها من الحياة إلا أنها حافظت على تلك الابتسامة لتزين ملامحها الحزينة وتخفي بها كل أعبائها.

    2
    صداقة العمر

    ولنقف الآن للحظات بمسلسل حياة تيام الى هذا عمر الخامسة عشر حيث وجدت وأحست بمعنى الصداقة الحقيقية. بعد أن حنت عليها الأيام وولدت لها صديقة استطاعت أن تمنحها الحب وتبادلها الوفاء الذي طالما حلمت به. وكانت هذه الصداقة الاولى التي خرجت بها من ذكريات مدرستها، لقد كانت صديقتها عبير..
    كانت عبير بنفس عمر تيام، رقيقة حساسة، مرحة، أفكارها تنطبق على أفكار تيام وهذا ما جعل لهذه الصداقة أن تترعرع بين أحضانهما. أما ما كان يميز عبير عن تيام اكتسابها للأصدقاء بسرعة فائقة، فما تكاد أن تتكلم مع أحد حتى تربط معه صداقة، وهذا كان محفزاً كبيراً لوجود صداقات أخرى كثيرة غير صداقة تيام، إلا أن هذا لم يؤثر على هذه الصداقة بشئ بل على العكس كانت تكن لها إخلاصاً وحباً لا مثيل لهما في وجود الصداقة الأبدية.
    أما تيام.. فكانت عبير بالنسبة لها الصديقة الوحيدة في حياتها.. وكما تيام كانت عبير تعشق الرومانسية وقراءة الأشعار. وكلما كتبت تيام شعراً جديداً لا يستريح ضميرها إلا قامت عبير بقرائته وسماع رأيها به. هي الوحيدة التي كانت تحلل الأحزان الذي يدونها قلم تيام من تعاسة في الحياة أو اكتئاب فتخفف بعضاً من آلامها وتقدم لها المساعدة في كل وقت وفي أي زمن.
    إن عبير تؤمن أن الانسان يستطيع أن يربط أكثر من صداقة واحدة، ويمارسها مع أكثر من شخص. وهذا الرأي كثيراً ما يناقض ايمان تيام الذي يتلخص في جملة كانت ترددها وهي أن الصداقة للانسان لا تصلح ولن تكون قوية إن قُسِمت على أكثر من شخص واحد.. إن صداقة الفرد تولد لإنسان واحد في الوجود.
    مع وجود الاختلاف الشاسع بين الآراء إلا أن الصديقتين عاشتا أجمال الأوقات بين أكناف الحب والصداقة التي غمرت حياتهما.
    بعد أن تعرفت تيام على عبير ونمت المعرفة حتى وصلت الى أسمى معاني الصداقة. رغم أن مهنتها في الحياة قبل ذلك لم تكن سوى اكتشاف الخيانات الأصدقاء لها، وهذا الأمر أثر بها تأثيراً عكسياً، فجعلت حياتها دائماً تحت ضغوط الخوف من الخيانة ومرارتها. فالخيانة كلمة تخشاها كخوف أي فريسة من أنياب الأسد. فتفضل مباعدة الصداقة خيفة ملاقاة الخيانة.
    ولكن.. ها هي الآن أشد الناس إعتزازاً بصداقة عبير.
    كان لقاؤهما الأول في المدرسة إذ جمع بينهما صف واحد تبلغان من العمر الخامسة عشر، وهناك تعترض حياتها فتاة وسيمة، سموحة، يدل مظهرها بأنها هي التي تبحث عنها تيام. فلم تحتج تيام الى وقت طويل حتى تكون عنها فكرة واضحة. فقد كانت هي نفسها كالفكرة الجميلة يعيها العقل ويقبلها الذوق من أول ما تعرض له. كانت مبتسمة دائماً. وكانت تقول: إن فم الانسان لم يخلق الا ليبتسم.. وكيف لتيام أن لا تبتسم بعد كل هذا وقد جربت دائماً أنها مفتاح لمغلق القلوب. كانت متحركة لا تمل الحركة.
    وبقيت الصديقتين في ظلال الصداقة خليلتين جمعت بينهما الظروف. وكانت واياها شخصيتين إلتفت فلسفتاهما في الحياة عن طريق عكسي... كانت كل منهما تولي ظهرها للأخرى ثم سارتا بجد كلٌ في اتجاهها حتى التقيتا متواجهتين بعد زمن. رغم أن كلتاهما كانتا غير راضيتين عن حياتهما.. إلا أنهما اختلفتا في طريقة التعبير عن عدم رضى كل واحدة منهما.
    ومرت سنوات المدسة الأربعة بسرعة واشتدت الصداقة أكثر.. الى أن أصبح الفراق وشيك. وجاء اليوم الأخير وأكلتا معاً وجبة الغذاء، وقلب تيام مغمور في احساسات شتى، كانت تمضغ مضغاً آلياً دون أن تشعر للطعام لذة أو طعماً.. كانت تفكر بصديقتها وقالت:
    - نحن كقطع الشطرنج تنقلنا الأقدار على رقعة الوجود. أين ستكونين يا صديقتي، وفي أي بلد ستعملين وتقيمين، ثم متى نلتقي وعلى أية صورة، ومن منا السعيد ومن منا الشقي؟؟.
    وتوقفت عن المضغ فجأة. وتدفق دمها كله نحو رأسها، وصمتت ولم تقل شيئاً. أما عبير فقد كانت قبالتها وقد انصبت في وجهها كل الأحزان وكأنها ادخرت كل أحزانها لمثل هذا اليوم.
    وفي تلك اللحظة فقط شعرت تيام بمحبتها لصديقتها وودت لو أنها فدتها بكل ما تملكه. وتحركت في نفسيتها هموم الوداع وترقرقت الأعين بالدموع. وقالت عبير:
    - لا نريد البكاء.. طبعاً سنراسل بعض وسأكتب إليك.. ولا بد أن يجمعنا لقاء.. وإن لم تجمعنا الأيام سنلتقي على صفحات الرسائل..
    - نعم يا صديقة وعبير عمري.. لم أجن من هذه الدنيا فاكهة طيبة إلا قلبك يا عبير.
    - كفاك يا صديقتي فما عدت أحتمل.
    وابتسمت الصديقتين وعيونهم متقابلة شاخصة لا تطرق أهدابها. ولم تتمالك كل منهما إلا وأن تحتضن أختها وتقبلها في أسف وحب ولهفة.

    3
    بـداية الحـكاية

    حياتها هكذا ..
    ولدت كموجة حزن قضت على روائع القلوب، وأتت الى عالم وضيع لمست فيه القسوة من الأقرباء والآلام من الجميع.
    بكت منذ الصغر، وتألمت عند الكبر، وحرمت من سعادة البشر، وبقيت هكذا دون ضحك أو فرح، دون صديق، دون أخت.. دون حنان...
    عاشت في زمن أطلق عليه زمن اليأس، لأنه لا يعني لها أي شئ، أقبلت لعالم دون أن يسألها أحد، وولدت في بيت لا تعرفه، ومجتمع لا تتقبله، ولكنها لم تستطيع رفضه، فهذا قدرها كما قدر كل إنسان... فيجب عليها أن ترضى بما كتبه الله لها.
    فهكذا أصبحت حياة تيام.. حزن.. كآبة.. بكاء ووحدة. دون أن تعي ما الأسباب... وبالرغم من كل هذا فإن ابتسامتها لا تفارق ثغرها. شئ وحيد كان لا يتغير بها، محبتها لأقاربها وبالأخص أقارب والدتها. وكلما سنحت لها الفرصة تذهب لملاقاة من تحب.
    كان الخال وأولاده أكثر من أحبت من بين الجميع. فكانت علاقتها بهم قوية ومتينة عن دون الجميع، دون أن تكشف السر الذي يكمن في علاقتها هذه بهم وخصوصاً أكبر الأبناء من بينهم.. فارس...
    كان فارس يكبر تيام بسنتين، قوياً ونشيطاً، يمتاز بالهمة والعزيمة والذكاء والفطنة، فكان لا يمل العمل نهاره ولا ليله، وقد وهبه الله قريحة وقادة وذهناً خصبا ًوذوقاً سليماً ومخيلة قوية قادرة على جمع شوارد الأشياء والتألق بين متنافراتها. قامته طويلة ونظره حاد، لونه قريب الى السمرة، أي أن ملامحه كانت تذهب مذهب الرجولة في تكوينها واستدارتها. وكانت تنبعث من عينيه السوداوتين نار من القوة والنشاط تكاد تلتهب إلتهاباً لولا تلك الأهداب الندية الحافة بهما.


    4
    الـخفقة الأولى

    ما لتيام حزينة مكتئبة لا تضئ الابتسامات ثغرها كما كانت تضيئه من قبل ؟! مالها واجمة صفراء تمشي مطرقة، وتجلس واهنة، وكأن هماً من هموم الحياة الثقال يملأ ما بين جانحتيها، ولا هم هناك
    ولا حزن، مالها تلجأ الى الخلوات والمعتزلات وتتجنب جهدها أن تخالط الناس حتى أسرتها وقومها.
    ما لهذه الخضرة الزاهية البديعة، ولتلك السماء الصافية المتلألئة، ولذلك المنظر البديع الجذاب، منظر الشمس في طلوعها وغروبها والطير في غدوها ورواحها، لا يروقها ولا يستثير سرورها وبهجتها، ولا يسري عنها همومها، كما كان شأنها قبل اليوم ؟!
    ذلك لأن قلبها خفق الخفقة الأولى، والحب إذا خالط قلب الفتاة لأول عهدها به نقلها من حياة السرور والبهجة الى حياة الهموم والأكدار.
    نعم قد تحولت الصداقة في قلب تيام الى حب، وللحب شأن غير الصداقة وحال غير حالها، وشعور واحساس غير شعورها واحساسها، فالفتاة الخالية تشعر بتغيير في جميع حالاتها النفسية إذا أحست بدبيب الحب في قلبها.
    وربما كان هذا الشعور هو دليلها الوحيد على أنها قد رحبت به قبل أن تعرف ما الحب والغرام.
    لقد كانت تيام تجهل في مبدأ أمرها حقيقة الحالة التي طرأت عليها ولا تفهم منها شيئاً سوى أنها قلقة مستوحشة، لا تأنس بالناس، ولا تجد الجلوس الى أسرتها، وإذا وقع نظرها على فارس في بعض غدواتها وروحاتها طارت إليه فرحاً وسروراً، وبسطت إليه يدها لتعانقه ومدت له وجنتها ليقبلها، وما أن تدنو عنه إنقلبت فجأة من سرور الى حزن. لأن الذي تضمر له هذا الحب لا يضمره لها.
    فإذا أحبت الفتاة لأول عهدها بالحب، وكانت شريفة فاضلة خرج بها الحب الى حالة أشبه بالجنون والخبل. ولكنها حيرة النفس وضلالها.
    وبقيت تيام على شأنها، وتعلقت بغرفتها وأصبحت لا تفارقها واشتد ميلها للكتابة والشعر وأصبح القلم خليلها في كل وقت.


    5
    الـشـــقـاء

    الشفق يؤذن باقتراب الليل، وندف كبير من المطر يتساقط ببطئ على مصابيح الطريق التي أضاءت لتوها.
    أعود الآن الى السنة التي تركت تيام فيها المدرسة، بعد أن حصلت على شهادة البكالوريا عندها كانت في الثامنة عشر. ملأ النجاح حاضرها بالنشاط، وزين مستقبلها بالآمال، لكن قصتها مع الحب خيبت آمالها وخفضت بعض من معنوياتها.
    كانت تيام كثيرة التفكير قليلة الكلام.. كانت نحيلة الجسم، وكانت حركاتها بطيئة متوازنة، وصوتها منخفضاً تقطعه التنهدات.. ووجهها بأية ألفاظ نقدر أن نصور وجهاً حزيناً هادئاً.. كانت ملامحها تعلن في كل دقيقة سراً من أسرار النفس.. لم يكن جمال تيام في وجهها أو في شعرها الذهبي بل في هالة الطهر والأدب وحسن الأخلاق المحيطة به. ولم يكن في عينيها الخضراوتين بل في النور المنبعث منها. جمال تيام لم يكن في كمال جسدها بل في نبالة روحها، المكتنفة بغلاف من الدموع.
    أما الصفة التي كانت تعانق مزايا تيام فهي الكآبة العميقة الجارحة، وكأنها وشاحاً معنوياً ترتديه ليزيدها هيبة وغرابة.
    وفي تلك الليلة من ليالي الشتاء، جلست تيام وحيدة في غرفتها كعادتها وغرقت في أفكارها اللامنتهية وتذكرت حبيبها الوحيد الذي ما زال لا يبادلها هذا الحب الذي بلغ من العمر سنتان عذاب ولوعة واشتياق، فسهرت وبكت ليال طوال، وبينما هي على هذا الحال أمسكت تيام خليلها القلم ليبرد نار قلبها وكتبت في دفتر مذكراتها خاطرة بعنوان:
    حــب زائف

    أحبته بجنون.. وهي لم تتعود أن تغدق كل هذا الحب بقلب واحد، دفعة واحدة.. كانت تيام وحيدة والديها من البنات، ولها أربعة أشقاء، أحدهم يكبرها سناً.
    كانت آية في الجمال والأدب، تتحلى بالخصال الحميدة.. كانت كتوماً، ومدللة الى أبعد الحدود حتى أوسع المسافات.
    أحبت تيام فارس بشكل جارف، وكانت تعيش هذا الحب كأنها في أسعد أيامها وأحلامها. عاشت برفقة هذا الحب سنتان.. واعتقدت أن هذا الحب سيكون أبهى وأحلى أيام حياتها.. ولأنها كانت في سن المراهقة فقد كانت تعرف عن الحب مما تسمع ومما تقرأ، ولكن تيام لم تكن تعلم أن الحب هو مواجهة لكل العادات والتقاليد التي لا ترحم ولا تفهم لغة القلوب، وان الحب الجارف قد يكشف أيضاً خيانات وخيبات أمل ونكسات كاسحة.. ولم تعلم أن الحب يستنزف دموعاً ويستخرج آهات ويسبب عذابات.. إلا بعد أن علمت أنها عاشت مع هذا الحب حتى الآن سنتان وقلب فارسهاجاهل بحبها...
    فهل هي تعيش حباً زائفاً.. ولا تعرف وسيلة للخروج من طريق هذا الحب المسدود ؟!
    ما أن كادت تيام تغلق دفتر أحزانها بعد أن وقَّعت باسم المجروحة بالهوى، حتى غرقت في البكاء وأطفأت النور وألقت نفسها على السرير تبغي النوم.

    6
    يـوم الـلـقاء والاعـتـراف

    وأهل شهر نيسان ينذر بزحف الربيع إلى السماء وإلى قلبها.. في صباح ذلك اليوم قالت أم تيام تخاطب الجميع اليوم سنتوجه لأقاربكم في الشمال.. وما أن سمعت تيام هذا الكلام حتى طارت من شدة الفرح.. نعم فبهذا اليوم سيتجدد اللقاء...
    وفي اللحظات التي كانت السعادة فيها تنسي تيام وجودها، كان يتسرب مع الأشعة المتلألئة إلى نفسها شعور حزين..
    ربما كان قليلاً من اليأس، ومبعث الخوف.. خوفها على هذه السعادة !
    وكان هذا الشعور يحث وعيها، ويدفعها إلى تقدير اللحظة، فتتمسك بها، وتفتي فيها نفسها، وتُذوِب ثوانيها ذراتها، ليقيها أنها ستزول.. ستزول..ستزول.
    ودخلت غرفتها وهي تطير من ثوب إلى ثوب ومن مكان إلى مكان.. إلى سماء عيون فارس.. وإلى ذراعيه القويتين.. وأخيراً انتصبت بعد أن انعكست صورتها في المرآة.. وقفت! واقتربت منها تسائلها! هل أنا جميلة ؟ وتفحصت صورتها بعين التساؤل ونفسية الناقد.
    ما لون عينيَّ؟ ما لون بشرتي؟ هل يحب فارس البشرة الحنطية؟ ولماذا أهمل شعري الطويل الأشقر؟
    فانقطع حبل تساؤلاتها بصوت والدتها التي أعلنت بأنهم في الحال سيركبون السيارة، فركضت تيام مهمهمة اليهم.
    كان الطريق يركض، ويطوي الأشجار وراءهم، ويقصر، ويقصر وكأنه حبل يشدهم إلى هذه القرية في الشمال، إلى بيت الأقارب، إلى حياة تيام...
    ودت لو تطول، تطول المسافة، وتلفظها الدرب في عالم جديد، في بيت صغير، هناك بين أحضان الأفق.
    وأحست تيام بقلبها ينكمش بين ضلوعها، حين احتواها مدخل هذه القرية الواسع الجميل، وقالت تيام في نفسها: أحب هذا البلد، مع الأشجار الوارفة الحانية، ومع الأنهار الغزيرة المتسامحة.
    دخل الجميع للبيت وتبادلوا السلام على بعض. وبعد أن قدمت تيام التحية على الجميع، وجاء دور فارسها فحطت يدها بيده وقبلها قبلة فاترة لا يمتذج بها أي حب، وجلس ليستلقي على الديوان. جلست تيام إلى جانبه، على حافة الديوان، وراحت يدها تزحف برفق على جبهته، تحاول أن تجرف عنها الهموم والمشاغل والأوجاع... وارتفعت يد فارس تبحث عن يد تيام، تشكرها على اهتمامها، وخيم السكون عليهم بعد أن خرج الجميع.. سكون ناطق بأسمى العواطف..
    آه.. وكم ودت تيام بأن يبقى ماسك يدها.. جالس بجانبها، لتعتني به كما يعتني الانسان بأغلى وأحلى أمانيه. وقالت تخاطبه:
    - هل تحب هذه البلاد ؟
    تعجب فارس من سؤالها وقال في ضياع:
    - أشعر بالملل.. ملل قاتل.. إن هذه البلدة مميتة.. أنا مرتبط بها لأنها بلدي.. لأنني ولدت بها.. لكنها مميتة.. وأنا في حاجة إلى بلاد جديدة.. إلى سماوات جديدة إلى وجوه جديدة..
    أملُّ.. أملُّ.. يكاد الملل يقتلني..
    شعرت تيام بالكلمات وكأنها أصابع قاسية تمتد وتطبق على قلبها، كيف يمل البلد التي هي تحت سمائها؟ لكنه استدرك قائلاً:
    - وأنت؟ كيف لا تملين هنا؟ لو كنت مكانك لتركت هذه البلاد منذ زمن بعيد..
    أجابت تيام برقة:
    - فارس.. أنا أحب هذه البلاد وبالأخص هذه القرية.. أحبها حبين: حبي لها.. ولأنك فيها..
    نهض واقترب منها ووقف قبالتها، وتأملها، وأفكاره تقطب جبينه، ولم يتكلم..
    ولكن تيام لم تستطع الصمت، وقد كانت تنتظر هذا اللقاء منذ زمن وقالت:
    فارس.. آسفة على ما سأقوله لك الآن، ولكن
    أريدك أن تدرك شيئاً.. أنني أحسك قريباً إليَّ..
    و...
    وفجأة كف لسانها عن الكلام ونزلت دمعة من عينها.. ومد فارس يده نحو وجنتيها بعد أن مسح الدمعة عن عينها وقال:
    - لا تكفي حديثك الآن، أنا الذي لدي الكثير ما أقوله وأحادثك به.. لكن ليس هنا فتعالي معي...
    وعلى ضفة النهر وصوت خرير الماء جلس الاثنين.. وفجأة اقترب فارس من تيام وأمسك يدها المرتجفة ليخفيها بين يديه، وغيب نظراته في وجهها..
    كان في نفس تيام شعور غريب، خفي، ينبؤها بأن هذا اللقاء لن يكون كالذين سبقوه..
    وكانت أنفاسها تتلاحق بسرعة، ولكنها لم تقل شيئاً، وما كان باستطاعتها أن تقول! وبقيت تتابع سير الحوادث، وتطرب سمعها بالكلمات التي تنهمر من ثغره، فتتهدل حول أنفاسها عقداً متلألأً..
    - تيام.. إن شعوري نحوك غريب، ولم أشعر بمثله من قبل، إن شعوري نحوك عميق.. عميق.. تيام.. صغيرتي.. عزيزتي تيام..
    صمت قليلاً ثم تابع قوله:
    أنا جداً مشتاق إلى أن أعرف الحب !!.. أنا
    لست واثقاً من نفسي ولا من النبضات الجديدة
    التي يرسلها قلبي...
    تحركت في نفسه أحاسيس مرهفة، وكان يتكلم بصوت خافض فيه تهدج قليل، ومن الغريب أن جوارحه كلها كانت تبكي ما عدا عينيه. وأكمل قائلاً:
    تيام دعيني اليوم أعترف بكلمة، والتي لم أستطع
    البوح لك بها، فالخوف أضعفني، والصمت غلبني،أما الآن وفي هذه اللحظة أشعر بقوة داخل قلبي تساعدني على إخراجها من كياني.
    فصمت قليلاً.. ثم ترك جوارحه تتحدث متقطعة قائلة:
    تـيـام.. تـيـام أنـا أحـ.. بـ.. ـك
    نـعـم أحـبـك..
    حبيبتي تيام دعيني أرددها آلاف المرات، لأخفف من عظمة الصمت الذي عذبني..
    نـعـم أحـبـك.. يــا حـبـيـبـتي..
    وبعد أن ترقرقت عيناه بالدموع قال: لم تخلق هذه العيون لنذرف دموعاً في وقت الفرح.. ولكن لنرى بها الأحباء.
    - فارس.. أعد هذه الكلمة.. أيقظني من حلمي.. آه لو أنك تدري كم انتظرت منك هذه الكلمة.. نعم سنتان من عذاب الصمت.. سنتان من الحيرة.. وقلبي مشتاق أن يسمعها خارجة من ثغرك.. وأنا لا أستطيع البوح لك ببذرة من محصول حبي الذي جنيته من بستان قلبي... سنتان عشت بهم وحيدة، وحاولت أن أدرس وأقرأ فرأيتك بين السطور، حاولت أن أكتب فرأيتك في الحرف، وأبى الحرف إلا أن ينوح في أشعاري، وحاولت أن أشرد في عالم الموسيقى، فترنحت الدمعة في عيني، وصارت تنتظر وقف الايقاع، لتتهالك صرعي على اصفرار الخدود..
    آه.. فقد انهمرت الأمطار مع دموعي.. كم
    تمنيتك معي لتشاركني ألمي، وتقلل من اضطرابي
    ويأسي.. كثيراً ما حلمت بلحظة تجمعنا.. لحظة
    لقاء.. لحظة اعتراف.. كهذه اللحظات.. فدعني
    أسميها لحظة عودة الحياة..
    فــارس... حـبـيـبـي...
    نـعـم أحـبـك.. أحـبـك.. أحـبـك...
    وغرقت تيام في بحر من الدموع.. ثم أكملت:
    إذا كنت حتى الآن لا تعلم أنني أحبك، فأنا.. ورفعت نحوه عينين أدمعتهما الوجد، وأكملت بصوت ترقرقت فيه الأنوثة:
    أحبك.. أحبك إلى درجة أنني أضحي بأي شيء..
    بأي شيء عندي..
    وهرع الحبيبان على بعض وتعانقا عناقاً طويلاً.. ورفع فارس رأسه قائلاً:
    - تيام قبليني...
    ضمها إلى صدره الحنون وأمسك يدها... ووثبت شفتاه تحاول إطفاء بعض من اللهيب المسدل على وجهها..

    وعاد للحديث:
    - تيام.. أنت جميلة.. هل كنت جميلة هكذا قبل هذه الساعة.. نعم اليوم ألاحظ أنك جميلة.. بل وفاتنة...
    اختلج قلب تيام.. لا من كلمات فارس، بل من تعابير وجهه وهو ينطق بهذه الكلمات، وترقرقت الدموع في عينيها مرة أخرى.. وكانت تشعر أنها بحاجة إلى البكاء وخصوصاً عندما تكون سعيدة وكأنها تريد أن ترصع لحظة السعادة بجميع أحاسيسها المتباينة، من ارتعاشات، وابتسامات، وضحكات ودموع.
    - فارس.. انظر إليَّ يا فارس.. على طريقتك الخاصة..
    أحبك.. نعم أحبك من كل قلبي.. حبيبي..
    - حبيبتي.. صغيرتي فلذة كبدي.. الآن بدأت حياتي.. من الآن لن يراودك شعوراً بالوحدة، فسأكون دوماً إلى جانبك.
    وبرفق أمسك وجهها بين يديه الكبيرتين وهمس:
    لا تخافي أبداً.. أنا دائماً معك..
    فالتصقت تيام به، مرتعدة، وتعلقت يداها بمنكبيه العريضين، وتمنت.. تمنت في تلك اللحظة، أن تذوب بين ذراعيه، هياماً ووجداً..
    وغاب الحبيبين في قبلة مع مغيب الشمس وشفق السماء، وكأن الكون أراد أن يبارك لهما هذا الحب بهدية هي هذا الجو الجميل والمنظر الخلاب...
    ثم نظرت تيام إلى حبيبها وقالت:
    - فارس سأقدم لك هدية لهذا اليوم.. هديتي لك هي كلماتي..
    شعر كتبته يوماً وحلمت أن أقدمه لك في مثل هذا اليوم ولك هو بعنوان:

    خجلي الشديد..


    لا تنتقد خجلي الشديد فأنا بسيطة جداً.. وعفوية جدا ً بطفولتي بملامحي بكل أشلائي الصغيرة
    طفلة أنا لا أفكر بشئ بعيد
    لا تنتقد خجلي...
    فأنا لا أعرف كيف أداريه
    وحبي لك لا أعرف كيف أخفيه
    سطحية أنا كالطفل لا يعرف إلا النشيد
    لا تآخذني يا صديقي..
    إن أتيت كل يوم ألبس لك ثوب جديد..
    أو طلبت منك قبلة تذبحني فيهاحتى الوريد
    ما أجمل القبلة حين تخرج من أعماق التنهيد
    أعذرني على كلماتي فإنك الأول في حياتي..
    أنت الذي غيرت وجهة ذكرياتي..
    فجعلتني طفلة بين يديك تداعبها وتقبلها..
    وهذا ما أريد...

    - آه مني..كم ظلمتك يا حبيبتي تيام.. سامحيني أرجوك.. سامحيني..
    - لا تقل شيئاً ولا تعتذر على كل ما مضى، ولنكمل القصة التي بدأ الزمان يدونها لنا في كتاب حياتنا أسطراً مليئة بحروف السعادة والأمل الذي نرقبه من هذا الحب الذي جمعنا. فما زالت الأيام أمامنا طويلة.. ولنمزق كل أوراق الماضي من كتاب حياة الحاضر القريب الذي سنحياه مع بعض دون ألم دون يأس...
    - نعم.. سنبقى مع بعض حتى الأزل...
    النهر هادئ محاط بلونين، هما بالأحمر والأخضر المزدهرين، زهور جميلة تنشر رائحتها لحبيبين يجلسان على ضفة النهر متناجيين.. ينظر كلاهما للآخر متسائلين...!
    ما أقصى ما يتمناه كل اثنين سوى هذه اللحظات الخالدة، وإحساس دفين.. بأن الحياة لن تكون إذا افترقا الاثنين..
    يتعاهدان والطبيعة تشهد على الحبيبين بأنهما سيكونان طوال الدهر مخلصين بما تخفي لهما الأقدار غير عابثين.. فما أصبح بينهما هو أقوى من أي شئ..
    كم هما برائعين...
    تغرب الشمس فيتأملان.. لكن شمس حبهما لن تغرب مهما كان.. والشمس تغيب وتغيب ولحظة الوداع قد أوشكت...
    فأمسك فارس يد تيام برقة.. وقبلها وقال:
    - إن هذا اللقاء قد حانت ساعته.. ولكنه سيبقى في ذاكرتنا حتى آخر يوم من حياتنا ولنا في أيامنا القادمة لقاءات وكلمات مطولة..
    - صدقت يا فارسي ستكون الأيام البعيدة عن حنانك صعبة علي وستأكلني لوعة الشوق.. هيا الآن فقد تأخرنا على الأهل..
    - فلنعد يا حبيبتي تيام..

    وتعانق الحبيبين وودعا بعضيهما وتبادلا قبلة تختم لقاء الاعتراف، وذهبا متجهين كل إلى بيته. وهكذا انتهى هذا اللقاء بإعلان حكاية حب تضم بها هذان الحبيبان الرائعان وبأجمل لحظات حياتهما.. وهكذا بدأت حكاية الإثنين...
    ========
    ما زال الكثير ينتظر الحبيبين تيام وفارس..
    من مفاجآت وأحداث.. ولنا لقاء آخر..
    مع فصول أخرى من قدر هذين الحبيبن...
    7
    لـوعـة الـشــوق

    عادت تيام إلى بيتها وهي تدفن في باطن ذاكرتها أجمل يوم في عمرها، وكانت هذه المرة الأولى والتي بها تشعر بالفرحة ونشوتها، إن هذا اللقاء قد غير حياتها رأساً على عقب.
    لقد تعلقت تيام بفارس تعلقاً جنونياً، فقد وجدت به كل ما تمنته، الطيبة والجمال والرقة والحب والحنان، وجدت فيه كل شئ افتقدته في حياتها، والحبيب الذي ينشد والطفل الذي تغمره بعاطفتها الفياضة.
    لم تقدر تيام أن تغلق جفونها هذه الليلة، فلم تجد إلا القلم حلاً، فأمسكته وغاصت في بحر أفكارها وذاكرتها لهذا اليوم الجميل وكتبت بعنوان:
    أحــبـــك...
    حبيبي...
    يا زهرة في حقل قلبي
    ويا قنديلاً في ظلمتي
    يا من زرعت في قلبي الحياة من جديد
    سيدي...
    يا فواح العطر
    أود أن أعبر لك عن حبي بكلمة
    كلمة تتلفظ بها أنفاسي
    كلمة أحس أني لم أنطقها
    ستشق صدري ممزقة أحشائي
    منطلقة معبرة عن مدى حبي لك
    كلمة تليق بذوقك الرفيع الذي به تتمتع
    حبيبي...
    أحبك بكل معاني الحب التي قيلت والتي لم تقل
    أحبك رغم الصعاب ورغم المحال...
    أحبك ولن أبالي بالعالم عندما تقف أمامي..
    أحبك ومن قلب النار أهديك سلامي
    أحبك ومن قلب الثلج أنسجك بخيوط غرامي..
    علمني حبك أن أتسامى فوق التسامي
    وأن أتسامح وأعفو رغم كل آلامي..
    أتراك تذكرني قبل أن تنام...

    أغلقت تيام الدفتر وأطفأت النور تريد النوم، وكان الدافع الوحيد الذي يغمض أجفانها هو يقينها بأنها ستجتمع وفارس في أحلامها..
    ولنذهب الآن بعيداً عن تيام إلى هذه القرية النائية حيث يقطن هذا الشاب فارس..
    كانت الدنيا بأكملها قصوراً تتحطم فوق رأسه، وكان الوجود دواراً يحمله.. يدوخه.. يرهقه.. ويأبى أن يفنيه.. وكان فارس بجميع الطرق يحاول أن ينام.. حتى ظهرت دموعاً تنحدر من عينيه.. لكنه كان كشخص غريب متجهم وصورة حبيبته لا تفارق خياله..
    لم يعد فارس ذلك الانسان القاسي، لقد أصبحت روحه تملأها العاطفة والحنان والشوق.. ويقول في نفسه تيام اشتقت اليك.. للمسة يديك.. لقبلتك..
    إنه يحبها.. نعم يحبها دائماً.. أما شوقه فهو خط بياني ترسمه الظروف.. وفي ظروفه الحالية جملتها " أنا أحبك حبيبي..."
    وجرفه ضياعه، فأصبحت نفسيته انعكاس لتصرفات تيام وأيامه صدى وجودها..
    وقال مخاطباً نفسه:
    سأصبر.. نعم سأصبر.. وكلي أمل أن أجد تيام وأحافظ عليها وأحبها.. عندها فقط وحينذاك لا بد وأن أجد نفسي بها..
    وجاء الغد..
    وغاب في غياب الشمس أفكار الحبيبين ونعيهما.. ونما مع شروق الشمس شوق الأحباء لبعضهم
    8
    الهدية الأولى لميلاد الحب..

    في يوم كان كأن أذيال نسماته طرزت بأزهار الربيع. كانت شمس ذلك النهار محلقة على الأفق الغربي بحيث تكاد تخطفها باليد.
    أصبحت تيام في هذا الصباح وخرجت من غرفتها فوجدت نفسها تبحث عن أصص من الأزهار.
    ما لها هذا اليوم سعيدة وكأنها تعيش في غابة من الأشجار والأزهار ترقص بين ظلالهم، ونشوة الفرحة تظهر على ملامح وجهها بتألق لم تبن قبل هذا اليوم. بحثت وبحثت بين الأزهار أرادت هدية تهديها لإنسان عزيز هدية طالما تمنت أن تقدمها.. فاحتارت أي زهرة.. أي نوع.. وأي لون...
    ووقع نظرها في النهاية على زهرة حمراء متفتحة تطوي في ثنايا أوراقها رائحة غريبة.. وكأنها تنشر عطر عبير قلب تيام وشعوره في تلك اللحظة .. عطر يميزها عن باقي زهور غابة خيالها.. فأمسكت بها وقطفتها بكلتا يديها.. لا بد وأن تكون هذه الهدية بالنسبة لتيام هدية لا مثيل لها في وجودها.. كيف لا ؟ وهي هديتها الاولى لحبيبها وفارس أحلامها. نعم اليوم ستهدي فارس هدية بمناسبة عيد ميلاده.. في هذا اليوم من ربيع عمرها ونيسان قلبها سترى الحبيب بعد غربة دامت عدة أيام.. وها هي الطرقات تقصر وتقصر حتى وصلت تيام لمبغاها وهي تحتفظ بهذه الوردة الجورية الحمراء بين يديها كالأم الحنون التي تحتضن ابنها بكلتا يديها خشية عليه من البرد.. حتى بان الفارس أخيراً.
    أما وجه فارس بلحظة اللقاء فقد تأنقت في تصويره قدرة الله.. بعيناه الواسعتان وفمه المبتسم.. وعندها فقط أخذت ملامحه تتحدث بأنه خلق ليكون بطلاً وفناناً بارعاً لهذا اللقاء.. كان شاعراً وإن لم يقل شعراً.. وفيه نجدة الفرسان.. كان كقوس قزح فيه ألوان الفن كلها ليزين بها حياة بطلته التي أمامه..
    وبمهارة منهما استطاعا أن يختليا ويذهبا إلى مكان الإعتراف...
    وقفت تيام أمام عينيه ساكنة وبعينيها كل معاني الاشتياق والحب، وتكلمت بعاطفتها الجياشة قائلة:
    - فارس.. قبل كل شئ أود أن أقدم لك هدية مقطوفة من بستان الحب في قلبي ومعطرة بكل أحاسيسي ومشاعري الصادقة لعشقي لك.. يا حبيبي في يوم ميلادك زهرة جوريةحمراء كقلبينا فاقبلها لتكون الشاهدة الثانية بعد هذا المكان على ميلاد حبنا.
    فكل عام وأنت فقط حبيبي ولا غيرك في قلبي وتفكيري.
    امتدت يد فارس إلى يد تيام وأمسك العاشقين بالوردة واقتربا منها معاً ليستنشقا عطر محبتنهما وغرقا في قبلة طويلة.

    أما فارس فلم يجد رداً لعشيقته، وفجأة شعر بنفسه يحادثها قائلاً :
    - حبيبتي لا أعرف كيف سأشكرك وبأي طريقة، ولكن أشعر بأن قلبي ينتفض انتفاضة تدل على الحياة وتنير طريقي وتفتحه.. إنني أشتم من وجهك الصبيح يا حبيبتي ومن عينيك الراضيتين رائحة الشفاعة.. وينجح قلبي من شدة الحب.. وتمشي في جسمي حركة قوية تستفز أوصالي..
    إن مفتاح قلبي أصبح ملكاً لك فلم يعد بمقدوري أن أدير
    المفتاح في باب قلبي بيدي حتى أبد الدهر.. فحبك دخل
    حجرة قلبي وما عاد يخرج.. بعد جملتك كل عام وأنت
    حبيبي أقول لك ألف مرة وأنت ساكنة قلبي وملهمة
    أفكاري.. وحياتي...

    جلس فارس على حافة الجدار ومد رجليه جانباً وأخذ يتأمل النهر وينصت لخرير الماء، وما أن مرت بضع دقائق حتى جلست تيام أيضاً مستلقية بجسمها على رجل فارس والجدار متأملة معه النهر.. وامتدت يد فارس حولها حتى وصلت الى كتفها.. وأخذا الاثنين يتابعانخرير الماء وكأنهما ينصتان إلى لحن سيمفونية عشقهما.

    وأكمل فارس حديثه:
    لقد مر علي عدة أيام بهم لم أستطع أن أراك وأن ألامس يديك.. حينها شعرت بأن شيئاً في داخلي ينقصني. فقاطعته تيام قائلة:
    - حبيب عمري في هذه الأيام أحسست بأن الدنيا بأكملها تنقصني، وأن الأيام التي تمر دون رؤياك تضيع من عمري.. ولك مقطوعة من كلامي بمناسبة يوم ميلادك ويوم عمري.. بعنوان:
    كـل عـام وأنـت أمـيـري..
    علمتني الحياة أن أبتسم للأيام دائماً..
    ولكني لم أخضع لها.
    إن أكثر ما يعذبني في حبك يا حبيبي،
    أنني لا أستطيع أن أحبك أكثر.
    وأكثر ما يضايقني من حواسي الخمسة أنها خمسة..
    وأكثر ما يعذبني في اللغة أنها لا تكفيك..
    وأكثر ما يضايقني بالكتابة أن كلماتي لا تساويك
    فكلها فوق مرتفعاتك.. ومفرداتي لا تكفي لاجتياز مسافاتك..
    إحساسي بالتناقض كإحساس البحر في النهار..
    أغمرك بمياه حناني وأغطيك بالغيم الأبيض وأجنحة الحمائم..
    لا أستطيع يا حبيبي أن أكون بحراً محايداً..
    ولا أريدك أن تكون سفينة من ورق..
    كل عام وأنت حبيبي!
    "أقولها لك عندما تدق ساعة منتصف الليل وتغرق السنة الماضية في مياه أحزاني كسفينة الورق.
    كل عام وأنت حبيبي!
    أقولها لك ببساطة كما يقرأ طفل صلاته قبل النوم.
    وكما يقف عصفور على سنبلة من القمح ليأكلها..
    كل البطاقات التي يبيعونها في المكاتب لا تعبر عما أشعر به، فأنت لست رجل المناسبات، بل أنت الرجل الذي أحبه.
    كل عام وأنت أميري!
    أمنيبة أخاف أن أتمناها حتى لا يتهمونني بالطمع أو بالغرور..
    وفكرة أخاف أن أفكر بها حتى لا يسرقها الناس مني."
    كل عام وأنت حبيبي..
    وكل عام وأنا حبيبتك..
    مع أنني أعرف أنني أتمنى أكثر مما ينبغي وأحلم أكثر من الحد المسموح به...
    ولكن من له الحق أن يحاسبني على أحلامي وكلامي..؟؟
    - حبيبتي تيام تأكدي من اليوم أن ما كنت تحلمين به لم يعد بعد الآن حلماً بل حقيقة تعيشينها بين أحضاني، وكلامك المعطر فما من أحد سيحاسبك عليه سواي إن لم تطربيني من شعرك المعسول..
    واقتربا من بعضيهما أكثر وعانق الواحد منهم الآخر وطارت روحهما في قبلة يختما بها هذا اللقاء الفريد، يوم ميلاد فارس وعمر تيام. ليعود كل منهما مرة أخرى إلى شوقه الكبير للآخر.
    وهكذا انتهى هذا اللقاء باحتفال الحبيبين بعيد الفارس المغوار وبطل رواية الحب، ليدون في كتاب الذاكرة أجمل اللحظات وأمتع الأوقات وأثمن الذكرايات في حياتهما.
    ها هو فارس يمسك بيده الوردة الحمراء ويقبلها تارة، وأخرى يضمها إلى صدره. إنه يخاف عليها من نسمة هواء رققة، أخذ يجول النظر في غرفته باحثاً لها عن ملجأ يأويها من أي تلف، فلم يجد سوى كتابه فوضعها به وأغلق عليها الكتاب ليتركها تجف، فتحفظ من أي ضرر يهددها فتبقى إلى الأبد الزهرة الشاهدة على هذا الحب العظيم. ثم أخذ يخاطب نفسه قائلاً:
    بعد عدة أيام ستحتفل تيام بعيدها، يجب علي أن أقضي هذا اليوم بصحبتها.. أود أن أشعرها بالحب الذي أكنه لها أكثر فأكثر.. أن أعوضها عن تلك الأيام التي عانت بهم الأمرين من صمتي وقسوة قلبي وجفائي لحبها لي.. سأقدم لها هدية تنسيها العذاب المرير الذي ذاقته بسببي.
    وقع فارس في بحرمن التفكير ما الهدية التي تستحقها حبيبته تيام تعوضها عن كل الظلم الذي لاقته منه في حياتها.
    حل اليوم المنظور.. أفاقت تيام من نومها. إنها تشعر بالفرحة من أعماق قلبها. أنه يوم ميلادها الأول الذي تكون فيه في ظلال الحب الصادق مع حبيبها فارس.
    جلست ترقب بأحر من الجمر رنين الهاتف كان الوقت يقارب الظهيرة وشمس نيسان ساطعة ونسائمه تختلج روح تيام وتهدأ من روعها. إنها تحب هذا الفصل... لكنها تحس فيه بمعنىً غامضاً كثيراً ما يقلق سكونها... كأنه الحنان... أو الحنين... أو كأنه شوقاً يخالطه أمل... أو لفح خفيف ينغمس فيه القلب... أو كأنه خليط من كل أولئك.
    فجأة قرع جرس الباب، على غير ما توقعته، فهرعت لفتح الباب. ووقفت مصدومة مشدوهة لعدة دقائق.. إنه أمامها، لم تتوقع مجيئه أبداً.. إنها تنتظر مكالمته، إلا أنه الآن متواجد أمام نظرها وبيديه ضمة من الزهور الحمراء والبيضاء ولفة أخرى كبيرة... وقال لها مبتسماً:
    - ألن تدخليني البيت أم أنني سأبقى واقف على الباب؟
    - آسفة.. إن الفرحة بلقاءك ورؤية ملامحك قد أنستني وجودك خارجاً. لن أدخلك للبيت فقط بل لجنات قلبي...
    واقتربت منه وهمست في أذنه وأكملت.. يا حبيب قلبي.
    دخل فارس عتبة البيت وما زال الأهل لا يدرون بهذه الزيارة المفاجئة، فانتهز فارس هذه الفرصة ودنا منها وقدم لها باقة الزهور وفتح لها اللفة المغلقة وإذ بها دمية من الفرو محفور عليها جملة هي: " أنا أحبك" باللغة الانجليزية مع قلب أحمر صغير.. وقال:
    - جاء الآن دوري لأحتفل بعيد ميلادك ولأقدم لك هديتي أعوض بها الحرمان الذي عشته بسببي.. ولو قدمت لك قلبي على صينية من ذهب فهذا لا يكفي دمعة واحدة ذرفتها بسببي.. فكل عام وأنت فقط كل حبي... يا حبيبتي...
    - فارس.. أشكرك جداً على حنوك ورقة قلبك.. أنت أول من قدم لي التهنئة بهذا اليوم.
    وتصافح الحبيبين وتعانقا ودخلا معاً ليلقي فارس التحية على باقي العائلة. لم يستطع الحبيبين التحدث مع بعضهما كما كل لقاء يجمع بهما. ولكن وبفراسة ذكاء تيام إستطاعت أن تجر فارس إلى غرفتها مدعية بأنها ستريه شيئاً ما في الداخل. وفي الحال طلبت منه أن يقوم بوضع الدمية بالمكان الذي هو يحدده في الغرفة وحسب رغبته، فأمسك فارس الدمية وقبلها ونظر في أنحاء وزوايا الغرفة حتى حدد الهدف المطلوب وقال:
    - تيام.. حبيبتي سأضعها على سريرك لتنام بين أحضانك. فلا تشعرين بالليل ووحدته، وأنا بعيد عنك.. وإن شعرت بالشوق يسيطر فجأة على تفكيرك فما عليك إلا وأن تعانقي هذه الدمية وتقبلينها، فاعلمي عندها فقط أنني أيضاً إما أحضن نفس الدمية وأقبلها وأعيش بنفس الشوق الذي تعيشينه فقد إشتريت إثنتين، واحدة لك لتبقى بجانبك والأخرى لي ووضعتها على سريري، أو أعانق وردتك بين أحضاني، عندها سنشعر براحة قلبينا ونشوة إحساسنا في الحب.
    - أعدك يا بعد عمري أن هذه الدمية لن تفارق أحضاني، وستشكو لك بالملل من كثرة قبلاتي لها.

    خرج الاثنين وودعا بعضهما وانتهى يوم اللقاء الحار بين العاشقين وحل الليل وتيام مضطجعة على سريرها وبين أحضانها دمية فارسها مرة.. ومرة أخرى تمسك باقة الزهور لتستنشق منها عطر حبيبها.
    وكذلك الأمر بالنسبة لفارس فهو نائم وبين أحضانه الدمية والوردة الحمراء المجففة.
    وأغلق الاثنين أجفانهم بغية أن يرى الواحد منهما الآخر في أحلامه.


    -_-_-_-_-_-_-_-_-_-_-_-_-_-_-_-_-_-
    جريحة الحــب ,, القصة الكاملة 506119747
    avatar
    الحاجي1990
    عضو جديد
    عضو جديد

    عدد المساهمات : 2
    تاريخ التسجيل : 09/11/2010
    العمر : 30

    جريحة الحــب ,, القصة الكاملة Empty رد: جريحة الحــب ,, القصة الكاملة

    مُساهمة من طرف الحاجي1990 في الأحد ديسمبر 05, 2010 1:57 pm

    منور يا زعيم
    ولد_ليبيا
    ولد_ليبيا
    آلادآرة
    آلادآرة

    عدد المساهمات : 168
    تاريخ التسجيل : 05/11/2010
    العمر : 29

    جريحة الحــب ,, القصة الكاملة Empty رد: جريحة الحــب ,, القصة الكاملة

    مُساهمة من طرف ولد_ليبيا في الأحد ديسمبر 26, 2010 6:14 am

    ابوجدك يازعيم


    -_-_-_-_-_-_-_-_-_-_-_-_-_-_-_-_-_-
    جريحة الحــب ,, القصة الكاملة 506119747

      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس يناير 28, 2021 11:56 am